محمد بن زكريا الرازي

303

الحاوي في الطب

في مداواة من انطلقت طبيعته قال : متى رأيت أن الشيء الذي يستفرغ إنما هو الشيء الذي فسد وحده فأدخل المريض الحمام واغذه عند انحطاط النوبة واعتن بالمعدة وإن كان الاستفراغ قد أجحف فالأجود أن يغذى قبل أن يدخل الحمام بعد أن يعتنى بأمر المعدة والعناية بها تكون إن كان الاستفراغ قد انقطع بأن يوضع عليها صوف مبلول بزيت قد طبخ فيه أفسنتين في إناء مضاعف لئلا يفسد الطبخ ويدخنه وإن كان قد بقي في المعدة شيء من مس اللذع والوجع فضع عليها قطعة لبد سخنة يابسة أو مغموسة في ذلك الزيت معصورة مسخنة ، وإن كان الدهن الذي يغمس فيه هذا اللبد دهن ناردين فائق فجيد ، وينبغي أن يعصر ثم يوضع عليه ، والأجود أن يكون بدل اللبد صوف فرفير « 1 » فائق فإن فيه قبضا لطيفا وفيه قوة تغوص إلى المعدة فتسخنها وتجففها وتقويها ، فإن كان فم المعدة شديد الضعف فاسحق مصطكى بدهن ناردين فائق واغمس فيه صوف فرفير وضعه عليه ، ولكن هذه الأشياء التي تضعها عليه في غاية الحرارة فإن الأشياء الفاترة تحلل فم المعدة وترخيه . قال : وإن احتجت إلى قيروطي الصبر المصطكي فاستعمله ، وإن كان في فم المعدة حرقة واشتعال فضع عليه قيروطيا بدهن السفرجل والأضمدة المبردة القوية وإن كانت طبيعته بعد منطلقة فأعطه ماء سويق الشعير والخبز الذي يقع في عجنه حل الذي يتخذ لأصحاب الذرب ، وإن كان شديد الانطلاق فاسق السويق على ماء الرمان والكمثرى واسقه ماء الفواكه وماء طبيخ الكمثرى والسفرجل وحب الآس ، وإن كان الاختلاف قد انقطع فاغذه بخصي الديوك والسمك الرضراضي وببعض الفواكه القابضة . وإن كانت شهوته ساقطة ونفسه تأبى الطعام فإن هذا كثيرا ما يعرض فاسقه الدواء المتخذ بعصارة السفرجل والمتخذ بلحم السفرجل الذي وصف في كتاب تدبير الأصحاء جوارش السفرجل البسيط بلا فلفل ولا غيره . قال : هذا هو علاج هؤلاء الذين ينبغي أن يعالوا به في أول انحطاط النوبة . فأما من احتبست طبيعته فجس شراسيفه وبطنه كله وسل العليل أين يجد الثقل من بطنه وأي ضرب من الجشاء يتجشأ وانظر فإن كان الطعام واقفا بعد في أعلى البطن فاسقه دواء الفلافل الثلاثة البسيط القليل الأخلاط وهو الذي ذكرناه نحن في كتاب تدبير الأصحاء فإنه نافع لمن لا يستمرىء طعامه ثم استعمل النطول على البطن والشراسيف ويفعل هذا الفعل أكثر وأشد وأما من « 2 » كان الطعام في أعلى بطنه ، فأما من انحدر إلى أسفل بطنه فافعل به هذا بعينه ويحرك أقل قليلا . وإن كان الطعام قد نزل نزولا كثيرا فأعنه بشيافة أو بحقنة فإن وجد لذعا في أمعائه فعلاجه من باب الأمعاء وإن وجد نفخة فمن باب النفخة . قال : فإذا انطلقت طبيعته فاغذه بسرعة أغذية حميدة وتجنب القوابض ودبره بهذا التدبير في اليوم الثاني وأدخله الحمام ، فإن نام ليلته نوما طبيعيا فقد برأ وإلا فلا تجزع لكن حمه وقم عليه قيامك بعينه من الدواء والتدبير بما احتاج إليه .

--> ( 1 ) كذا في الأصل ولعله : صوف مرعز . ( 2 ) كذا في الأصل ، ولعلها : « ممن » .